الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
129
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
- حَسَنَةً على الخبرية ل تَكُ على اعتبار كان ناقصة ، واسم كان المستتر عائد إلى مثقال ذرّة ، وجيء بفعل الكون بصيغة فعل المؤنث مراعاة لفظ ذرّة الذي أضيف إليه مثقال ، لأنّ لفظ مثقال مبهم لا يميّزه إلّا لفظ ذرّة فكان كالمستغنى عنه . والمضاعفة إضافة الضّعف - بكسر الصاد - أي المثل ، يقال : ضاعف وضعّف وأضعف ، وهي بمعنى واحد على التحقيق عند أئمّة اللغة ، مثل أبي علي الفارسي . وقال أبو عبيدة ضاعف يقتضي أكثر من ضعف واحد وضعّف يقتضي ضعفين . وردّ بقوله تعالى : يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [ الأحزاب : 30 ] . وأمّا دلالة إحدى الصيغ الثلاث على مقدار التضعيف فيؤخذ من القرائن لحكمة الصيغة . وقرأ الجمهور : يُضاعِفْها ، وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو جعفر : يُضاعِفْها - بدون ألف بعد العين وبتشديد العين - . والأجر العظيم ما يزاد على الضعف ، ولذلك أضافه اللّه تعالى إلى ضمير الجلالة ، فقال : مِنْ لَدُنْهُ إضافة تشريف . وسمّاه أجرا لكونه جزاء على العمل الصالح ، وقد روي أنّ هذا نزل في ثواب الهجرة . [ 41 ، 42 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 41 إلى 42 ] فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ( 41 ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ( 42 ) الفاء يجوز أن تكون فاء فصيحة تدلّ على شرط مقدّر نشأ عن الوعيد في قوله : وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [ النساء : 37 ] وقوله : فَساءَ قَرِيناً [ النساء : 38 ] ؛ وعن التوبيخ في قوله : وَما ذا عَلَيْهِمْ [ النساء : 39 ] وعن الوعد في قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [ النساء : 40 ] الآية ، والتقدير : إذا أيقنت بذلك فكيف حال كلّ أولئك إذا جاء الشهداء وظهر موجب الشهادة على العمل الصالح وعلى العمل السيّئ ، وعلى هذا فليس ضمير ( بك ) إضمارا في مقام الإظهار ، ويجوز أن تكون الفاء للتفريع على قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها [ النساء : 40 ] ، أي يتفرّع عن ذلك سؤال عن حال الناس إذا جئنا من كلّ أمة بشهيد ؛ فالناس بين مستبشر ومتحسّر ، وعلى هذا فضمير بِكَ واقع موقع الاسم الظاهر لأنّ مقتضى هذا أن يكون الكلام مسوقا لجميع الأمّة ، فيقتضي أن يقال : وجئنا بالرّسول عليهم شهيدا ، فعدل إلى الخطاب تشريفا للرسول صلى اللّه عليه وسلم بعزّ الحضور والإقبال عليه .